رغم التسارع الواضح في التحول نحو الطاقة المتجددة، ما زال الغاز الطبيعي يحتفظ بمكانة محورية في معادلة الطاقة العالمية. فالعالم لا يتحرك من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة في خطوة واحدة، بل يمر بمرحلة انتقالية معقدة، يلعب فيها الغاز دور “الوقود الجسر” بين نظامين مختلفين للطاقة.
هذا المقال يحلل اتجاهات الطلب العالمي على الغاز الطبيعي، والعوامل التي ستعيد رسم خريطته خلال العقد القادم.
لماذا لا يزال الغاز عنصرًا أساسيًا في مزيج الطاقة العالمي؟
الغاز كوقود انتقالي: الغاز الطبيعي يُعد أقل تلويثًا مقارنة بالفحم والنفط من حيث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ما جعله خيارًا مفضلًا لدى كثير من الدول التي تسعى لخفض الانبعاثات دون التضحية باستقرار الطاقة.
تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الغاز سيظل جزءًا مهمًا من مزيج الطاقة العالمي خلال العقود القادمة، حتى في سيناريوهات التحول السريع للطاقة.
اتجاهات الطلب العالمي على الغاز الطبيعي
من نمو سريع إلى نمو انتقائي: في العقدين الماضيين، شهد الطلب على الغاز نموًا قويًا، لكن السنوات القادمة ستتسم بتباطؤ النمو في بعض الاقتصادات المتقدمة، مقابل استمرار أو تسارع الطلب في الاقتصادات الناشئة، مع ظهور اختلاف واضح بين مناطق العالم.
الطلب لم يعد موحد الاتجاه: العالم يتجه نحو انقسام جغرافي في الطلب، حيث يشهد الاستهلاك تراجعًا أو استقرارًا في أوروبا، في مقابل نمو ملحوظ في آسيا، وطلب مستقر إلى متزايد في الشرق الأوسط وأفريقيا.
آسيا: المحرك الأكبر لنمو الطلب على الغاز
الصين والهند في صدارة المشهد
تُعد آسيا المنطقة الأكثر تأثيرًا في مستقبل الطلب العالمي على الغاز، في ظل التحولات المتسارعة في أنماط استهلاك الطاقة داخل الاقتصادات الكبرى بالمنطقة.
ويبرز هذا الدور بشكل خاص مع توسع الصين في استبدال الفحم بالغاز ضمن سياساتها البيئية، إلى جانب النمو المتزايد في الطلب الصناعي والكهربائي في الهند، فضلًا عن الزيادة المستمرة في استخدام الغاز الطبيعي المسال لتلبية الاحتياجات المتنامية للطاقة.
تؤكد الوكالة الدولية للطاقة أن آسيا ستستحوذ على الحصة الأكبر من نمو الطلب العالمي على الغاز خلال السنوات القادمة.
الغاز المسال كعامل حاسم: الاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي المسال يمنح الدول الآسيوية مرونة في تنويع الإمدادات، ما يعزز الطلب طويل الأجل.
أوروبا: من التوسع إلى إعادة التوازن
تأثير التحول الطاقي والأمن الطاقي: تمر أوروبا بتغييرات كبيرة في قطاع الطاقة، نتيجة سعيها لخفض الانبعاثات الكربونية وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، مع إعادة التفكير في حجم اعتمادها على واردات الطاقة. ووفقًا لبيانات المفوضية الأوروبية، من المتوقع أن يتراجع الطلب على الغاز الطبيعي تدريجيًا خلال السنوات المقبلة، لكنه سيظل مستخدمًا في بعض المجالات الأساسية، خاصة في الصناعة والتدفئة.
الغاز كعنصر استقرار: حتى مع التراجع النسبي، سيظل الغاز عنصرًا أساسيًا لضمان استقرار الشبكات خلال فترات انخفاض إنتاج الطاقة المتجددة.
الولايات المتحدة: طلب مستقر وصادرات متنامية
استقرار الاستهلاك المحلي: الطلب المحلي على الغاز في الولايات المتحدة يتسم بالاستقرار، مدفوعًا باستخدامه في: (توليد الكهرباء – الصناعة – التدفئة)
دور محوري في سوق الغاز المسال
الولايات المتحدة تتجه لتعزيز موقعها كمصدر رئيسي للغاز المسال، ما يجعل تأثيرها أكبر على السوق العالمية من خلال التصدير أكثر من الاستهلاك المحلي.
تشير تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى استمرار نمو صادرات الغاز خلال السنوات المقبلة.
الشرق الأوسط وأفريقيا: طلب محلي وفرص تصدير
نمو الطلب المحلي: تشهد دول الشرق الأوسط زيادة في الطلب على الغاز لدعم: (توليد الكهرباء – الصناعات البتروكيماوية – تحلية المياه).
أفريقيا: سوق ناشئة: في أفريقيا، يُتوقع نمو الطلب مع: ( توسع شبكات الكهرباء – التحول من الوقود التقليدي إلى الغاز – تطوير البنية التحتية للطاقة)
تؤكد تقارير البنك الدولي أن الغاز يلعب دورًا مهمًا في تحسين الوصول للطاقة في الدول النامية.
العوامل التي ستحدد مسار الطلب خلال السنوات القادمة
- التحول للطاقة النظيفة: توسع الطاقة المتجددة سيحد من نمو الطلب على الغاز في بعض القطاعات، لكنه لن يلغي الحاجة إليه بالكامل.
- السياسات المناخية: تشديد القوانين البيئية قد يبطئ الطلب في بعض الدول، خاصة إذا ارتفعت أسعار الكربون.
- التطورات الجيوسياسية: أمن الإمدادات وتنويع المصادر سيؤثران على أنماط الاستهلاك والاستيراد.
- التكنولوجيا: تحسين كفاءة استخدام الغاز وتقنيات خفض الانبعاثات قد يطيل عمره في مزيج الطاقة.
تأثير أوروبا على سوق الغاز
في سياق متصل، ساهم اتجاه الاتحاد الأوروبي نحو مصادر الطاقة المتجددة، إضافة إلى ترشيد المصانع والأسر لاستهلاك الغاز في الانخفاض القياسي الذي شهدته المنطقة خلال العام الماضي، عندما انخفض استهلاكها بنحو 55 مليار متر مكعب. وأضافت الوكالة أنه من المتوقع خفض المنطقة الطلب على الغاز بمقدار 50 مليار أخرى بحلول عام 2030.
مع ذلك، ما تزال الشركات الأوروبية تعتمد على عقود الغاز الطبيعي المسال طويلة الأجل لتعزيز أمن الطاقة، حتى في الوقت الذي تسعى فيه إلى الحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وأبرمت ثلاث شركات كبرى، هي: توتال إنرجيز وشل وإيني صفقات غاز مدتها 27 عاماً مع قطر هذا الشهر، ومن المقرر تسليم الإمدادات المتفق عليها في هذه الصفقات إلى فرنسا وهولندا وإيطاليا بعد عام 2050.
وترى الوكالة أنه ما يزال هناك مجال لإبرام مزيد من تعاقدات توريد الغاز دون أن يتعارض ذلك مع هدف الوصول لصافي الانبعاثات الصفرية في منطقة الاتحاد الأوروبي بحلول 2050. لكن مدى تعارض هذه التعاقدات مع الطموحات العالمية للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية مسألة أخر.
ولا يمكن فهم مسار الطلب على الغاز الطبيعي بمعزل عن تحركات سوق الطاقة الأوسع، خاصة أسعار النفط التي تظل مؤشرًا رئيسيًا على توازن العرض والطلب عالميًا، وهو ما نناقشه بالتفصيل في مقالنا: أحدث أسعار النفط وتأثيرها على الأسواق العالمية 2026.
قراءة مستقبلية: هل يتراجع الطلب أم يعيد التموضع؟
سيناريو إعادة التموضع
الأكثر ترجيحًا هو أن: لا ينهار الطلب على الغاز، ولا يستمر بنفس وتيرة النمو السابقة
بل يعيد التموضع جغرافيًا وقطاعيًا، مع تركيز أكبر على: (آسيا – الغاز المسال – الاستخدامات الصناعية والكهربائية المرنة).
الطلب العالمي على الغاز بحلول 2050
من المتوقع أن يشهد الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بحلول عام 2050 مسارًا متوازنًا يجمع بين التراجع النسبي في بعض الاقتصادات المتقدمة والاستمرار أو النمو في مناطق أخرى، خاصة آسيا والدول النامية.
ورغم تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة وتشديد السياسات المناخية، يُرجح أن يحتفظ الغاز بدور مهم في مزيج الطاقة العالمي، خصوصًا في الاستخدامات الصناعية وتوليد الكهرباء المرن ودعم استقرار الشبكات، ما يجعله عنصرًا انتقاليًا حاضرًا حتى منتصف القرن.
الطلب العالمي على الغاز حسب القطاعات
يتوزع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بين عدة قطاعات رئيسية، أبرزها توليد الكهرباء، حيث يُستخدم الغاز كمصدر طاقة مرن يساعد على استقرار الشبكات، خاصة مع زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة.
كما يزداد استخدام الغاز في القطاع الصناعي لتشغيل المصانع ودعم صناعات مثل البتروكيماويات والأسمدة. ويُستخدم الغاز أيضًا في المنازل والمباني لأغراض التدفئة والطهي، خاصة في الدول ذات المناخ البارد. وبجانب ذلك، يظهر دور متنامٍ للغاز في مجالات جديدة مثل إنتاج الهيدروجين، ما يجعله حاضرًا في مزيج الطاقة العالمي رغم التحول نحو مصادر أنظف.
صادرات الغاز المسال العالمية تتجه لأكبر زيادة في ثلاث سنوات
تشير التوقعات إلى أن صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا تتجه لتحقيق أكبر زيادة لها خلال ثلاث سنوات، مدفوعة بدخول طاقات إنتاجية جديدة حيز التشغيل، وتوسع الاستثمارات في مشروعات الإسالة، خاصة في الولايات المتحدة وقطر وأفريقيا.
ويأتي هذا النمو في ظل استمرار الطلب القوي من آسيا، وسعي الدول المستوردة إلى تنويع مصادر الإمداد وتعزيز أمن الطاقة، ما يمنح سوق الغاز المسال دورًا متزايد الأهمية في المرحلة المقبلة.
توقعات الطلب على الغاز الطبيعي بالمناطق 2030
بحلول 2030، يُتوقع أن تقود آسيا نمو الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بدعم من التوسع الصناعي وزيادة استهلاك الكهرباء.
في المقابل، يُرجّح أن يشهد الطلب في أوروبا تراجعًا تدريجيًا مع استمرار التحول الطاقي، بينما يظل مستقرًا نسبيًا في الولايات المتحدة مع تزايد دورها التصديري.
أما الشرق الأوسط وأفريقيا، فيُتوقع أن يسجل الطلب فيهما استقرارًا إلى نمو محدود مدفوعًا بتوليد الكهرباء وتطوير البنية التحتية للطاقة.
إنتاج الغاز الطبيعي العالمي يتخطى الأرقام في العقد الأخير
شهد إنتاج الغاز الطبيعي عالميًا نموًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، متجاوزًا المستويات التاريخية السابقة، مدفوعًا بالتوسع في الإنتاج من الغاز الصخري، وزيادة الاستثمارات في مشروعات الغاز الطبيعي المسال، وتحسن التقنيات المستخدمة في الاستخراج.
هذا النمو عزز وفرة المعروض عالميًا، وغيّر خريطة الإنتاج والتجارة، وجعل الغاز أحد أكثر مصادر الطاقة نموًا خلال السنوات الماضية.
نصائح مهمة عند متابعة سوق الغاز الطبيعي
قبل اتخاذ أي قرار مرتبط بالغاز الطبيعي، سواء على مستوى الاستثمار أو السياسات أو حتى الاستهلاك، من المهم فهم طبيعة هذا السوق المتقلبة والعوامل التي تؤثر عليه.
- متابعة تطورات الطلب في آسيا لأنها المحرك الرئيسي للنمو العالمي.
- مراقبة أسعار الغاز المسال والعقود طويلة الأجل لما لها من تأثير مباشر على توازن السوق.
- الانتباه لسياسات الطاقة والتحول الطاقي، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة.
- تنويع مصادر الإمداد وعدم الاعتماد على سوق أو مورد واحد.
- تقييم أثر التكنولوجيا وكفاءة الطاقة على الطلب المستقبلي للغاز.
مخاطر يجب الانتباه لها
رغم الدور المهم للغاز الطبيعي في المرحلة الانتقالية للطاقة، فإن الاعتماد عليه لا يخلو من مخاطر قد تؤثر على السوق والقرارات المستقبلية.
- تشديد السياسات المناخية قد يؤدي إلى تراجع أسرع من المتوقع في بعض الأسواق.
- التقلبات الجيوسياسية قد تتسبب في اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.
- زيادة المعروض العالمي قد تضغط على الأسعار وتؤثر على جدوى الاستثمارات الجديدة.
- تسارع انتشار الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء قد يقلل الاعتماد على الغاز على المدى الطويل.
- عدم وضوح السياسات الحكومية قد يخلق حالة عدم يقين للمستثمرين والمستهلكين.
الأسئلة الشائعة
ما هي توقعات سوق الغاز الطبيعي في عام 2025؟
من المتوقع أن يتراوح نمو الطلب العالمي على الغاز الطبيعي في عام 2025 بين 1% و1.5%، مدفوعًا باستمرار الطلب في آسيا واستقرار الاستهلاك في الولايات المتحدة، مقابل تراجع محدود في أوروبا. كما يُرجّح أن تمثل تجارة الغاز الطبيعي المسال أكثر من 35% من نمو الطلب العالمي خلال العام، مع دخول طاقات تصديرية جديدة، خصوصًا من أمريكا وقطر.
ما هي التوقعات العالمية للطلب على الغاز في عالم تبلغ فيه قيمة الغاز 6 دولارات؟
في حال استقرار متوسط أسعار الغاز العالمية عند حدود 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، يُتوقع أن يتراوح الطلب العالمي بين 4.1 و4.2 تريليون متر مكعب سنويًا. هذا المستوى السعري يُعد مقبولًا لمعظم الاقتصادات الصناعية والناشئة، ويدعم استمرار استخدام الغاز في توليد الكهرباء والصناعة دون ضغط كبير على الاستهلاك، مع بقاء الغاز منافسًا للفحم في بعض الأسواق.
الخاتمة
الطلب العالمي على الغاز خلال السنوات القادمة لن يسير في خط مستقيم، بل في مسار متغير يعكس التحولات الاقتصادية والبيئية والجيوسياسية.
وبينما يتراجع دوره في بعض المناطق، يتعزز في أخرى، ليظل الغاز عنصرًا محوريًا في مرحلة الانتقال الطاقي. فهم هذه الاتجاهات لا يساعد فقط على قراءة مستقبل الطاقة، بل على إدراك كيف يعيد العالم ترتيب أولوياته بين الاستدامة وأمن الإمدادات.
















