يعيش قطاع الطاقة تحولات جذرية أعادت رسم خريطة الإمدادات العالمية بفضل تطور صناعة الغاز الطبيعي المسال التي أتاحت نقل الطاقة عبر المحيطات دون الحاجة إلى خطوط الأنابيب الثابتة، وهو ما جعل سوق الغاز الطبيعي المسال أحد أكثر أسواق الطاقة ديناميكية وتأثيرًا في التوازنات الدولية.
وتلعب هذه الصناعة دوراً محورياً في تعزيز أمن الطاقة للدول المستهلكة وسد الفجوات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية مثل تراجع الإمدادات الروسية إلى أوروبا، وتبرز دول مثل قطر والولايات المتحدة كقوى عظمى في هذا المجال بفضل استثماراتها الضخمة في محطات الإسالة والتصدير.
ويساهم هذا الوقود في تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والالتزامات البيئية باعتباره وقوداً انتقالياً نظيفاً، وتتجه الأنظار حالياً نحو ديناميكيات العرض والطلب المتغيرة التي تحكم هذا السوق الحيوي.
الطبيعة الفنية للغاز المسال ومراحل الإنتاج المعقدة
يخضع الغاز لعمليات فيزيائية وكيميائية دقيقة لتحويله من حالته الغازية الطبيعية إلى سائل قابل للشحن عبر مسافات طويلة:
- معالجة الغاز المستخرج لإزالة الشوائب الضارة مثل الماء وثاني أكسيد الكربون والزئبق وكبريتيد الهيدروجين.
- فصل الغازات الثقيلة مثل البنتان لمنع التجمد والانسداد داخل أنابيب التبريد الدقيقة في المنشآت.
- تبريد غاز الميثان تدريجياً عبر مراحل متعددة حتى يصل إلى درجة حرارة 162 مئوية تحت الصفر.
- تحويل الغاز إلى سائل شفاف عديم اللون والرائحة بكثافة تبلغ نحو نصف كثافة الماء تقريباً.
- تقليص حجم الغاز الطبيعي المسال بمقدار 600 مرة مقارنة بحالته الغازية لتسهيل التخزين والنقل الاقتصادي.
وبينما يبرز الغاز الطبيعي المسال كوقود انتقالي يعيد رسم خريطة الإمدادات العالمية ويمنح الدول مرونة استراتيجية في تأمين الطاقة، فإن كفاءة إنتاج النفط وتطور تقنياته تظل عنصرًا أساسيًا في استقرار مزيج الطاقة العالمي، وهو ما يوضحه مقال «كيف تغير التكنولوجيا الحديثة من كفاءة إنتاج النفط» من خلال استعراض أثر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي على صناعة النفط التقليدية.
ديناميكيات الأسعار العالمية: بين الارتفاع التاريخي وتوقعات الهبوط
شهدت الأسواق تقلبات حادة تراوحت بين قفزات سعرية هائلة بسبب موجات الحر ونقص المخزونات وبين توقعات بهبوط قادم نتيجة وفرة المعروض، وترسم تحليلات الخبراء والمؤسسات المالية ملامح مستقبل الأسعار حيث تتوقع مؤسسة “برنشتاين” انخفاض الأسعار الفورية إلى متوسط 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية في عام 2026.
ويتحول السوق تدريجياً من سوق بائعين إلى سوق مشترين مع استيعاب موجات الإمداد الجديدة، وتوجد مخاطر لانخفاض الأسعار نحو التكلفة النقدية الهامشية المقدرة بـ 5 إلى 6 دولارات، وتؤدي زيادة الإمدادات إلى تلاشي الدعائم التي رفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال سابقاً مثل نقص المخزون الأوروبي.
موجة الإمدادات القادمة وتأثيرها على توازن السوق (2025-2026)
يستعد السوق العالمي لاستقبال كميات غير مسبوقة من الإنتاج الجديد مما يغير معادلة العرض والطلب بشكل جذري في النقاط التالية:
- دخول طاقة إنتاجية جديدة تقدر بنحو 93 مليون طن سنوياً إلى السوق خلال عامي 2025 و2026.
- بدء تشغيل مشاريع عملاقة مثل “Golden Pass” في أمريكا وتوسعات حقل الشمال في قطر ومشروع “Scarborough”.
- عودة سوق الغاز الطبيعي المسال إلى وضع الفائض الصافي في العرض بدءاً من عام 2026.
- إضافة إمدادات تعادل حوالي 35 بالمائة من الطلب العالمي الحالي في غضون ثلاث سنوات فقط.
الصراع العالمي على الشحنات: آسيا مقابل أوروبا
تشتد المنافسة بين المراكز الاقتصادية الكبرى لتأمين الشحنات خاصة في ظل تباين معدلات النمو والاحتياجات الموسمية، وتقود القارة الآسيوية نمو الطلب العالمي حيث تستحوذ دول مثل الصين والهند واليابان على الغالبية العظمى من الزيادة في الاستهلاك حتى عام 2030.
وتدفع استراتيجيات أمن الطاقة الصين إلى زيادة المشتريات لتجنب سيناريوهات نقص الغاز في الشتاء، وفي المقابل تواجه أوروبا تحديات تتعلق بضرورة تقديم أسعار تنافسية لجذب ناقلات الغاز الطبيعي المسال بعيداً عن الأسواق الآسيوية لتعويض النقص في المخزونات وتراجع إمدادات الأنابيب التقليدية.
الاستخدامات المتعددة والفوائد البيئية والاقتصادية
يعتبر الغاز في صورته السائلة ركيزة أساسية لدعم الاقتصادات الوطنية وتحقيق أهداف الاستدامة البيئية في آن واحد عبر التطبيقات التالية:
- توليد الطاقة الكهربائية بكفاءة عالية وانبعاثات كربونية أقل مقارنة بالوقود التقليدي مثل الفحم والنفط.
- استخدامه كوقود نظيف لتسيير السفن والمركبات والشاحنات لتقليل التلوث البيئي والانبعاثات الضارة.
- توفير التدفئة للمنازل والمباني التجارية وتشغيل العمليات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة بشكل موثوق.
- خلق فرص عمل واسعة في مجالات الهندسة والبناء والتشغيل داخل محطات الغاز الطبيعي المسال.
تقنيات النقل والتخزين وإعادة التغويز
تعتمد تجارة الغاز السائل على بنية تحتية متطورة تضمن سلامة المنتج وكفاءة وصوله من مناطق الإنتاج إلى الأسواق النهائية، ويتم شحن الغاز في ناقلات بحرية عملاقة مزودة بخزانات معزولة حرارياً للحفاظ على برودة السائل ومنع تبخره أثناء الرحلة.
وعند الوصول إلى وجهة الاستيراد يخضع السائل لعملية إعادة التغويز في محطات خاصة حيث يتم تسخينه ليعود إلى حالته الغازية ويضخ في شبكات الأنابيب، وتتطلب هذه العمليات إجراءات سلامة صارمة لتجنب مخاطر مثل الانفجار البارد أو الاختناق الناتج عن تسرب الغاز الطبيعي المسال في الجو.
مصر وسوق الغاز المسال: من التصدير إلى الاستيراد
شهد قطاع الطاقة المصري تحولات استراتيجية استجابة للمتغيرات الداخلية والإقليمية لضمان استقرار الشبكة القومية، ولجأت مصر مؤخراً إلى استيراد شحنات من الغاز لتلبية احتياجات محطات الكهرباء المتزايدة خلال فصول الصيف وتفادي نقص الوقود، ووصلت هذه الشحنات إلى موانئ مثل العين السخنة والعقبة بالتعاون مع شركات عالمية متخصصة.
وتواجه سلاسل الإمداد تحديات لوجستية نتيجة التوترات في البحر الأحمر التي تؤثر على حركة الناقلات، مما يبرز أهمية المرونة التي يوفرها الغاز الطبيعي المسال في تأمين الاحتياجات الوطنية وقت الأزمات.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين الغاز المسال والغاز الطبيعي؟
الغاز الطبيعي والغاز المسال هما نفس المادة كيميائياً (الميثان بشكل أساسي) ولكنهما يختلفان في الحالة الفيزيائية، حيث يوجد الغاز الطبيعي في حالته الغازية وينقل عبر الأنابيب، بينما يتم تبريد الغاز الطبيعي المسال إلى -162 درجة مئوية ليتحول إلى سائل يقل حجمه 600 مرة ليسهل نقله بالسفن.
في ماذا يستخدم الغاز المسال؟
يستخدم الغاز بعد إعادته لحالته الغازية في مجموعة واسعة من التطبيقات الحيوية، وأهمها توليد الكهرباء في المحطات، وتوفير التدفئة للمنازل والمنشآت التجارية، وتشغيل المصانع والصناعات البتروكيماوية، بالإضافة إلى استخدامه كوقود نظيف للمركبات والسفن.
كيف يتم تحويل الغاز المسال إلى غاز؟
تتم عملية التحويل في محطات خاصة تسمى محطات إعادة التغويز الموجودة في موانئ الاستيراد، حيث يتم تسخين الغاز الطبيعي المسال بشكل تدريجي ومحكوم باستخدام مياه البحر أو مصادر حرارية أخرى ليعود إلى حالته الغازية ويصبح جاهزاً للضخ في شبكات التوزيع.
الخاتمة
يمر قطاع الطاقة بمرحلة انتقالية حاسمة تتسم بزيادة هائلة في المعروض وتنافسية سعرية تخدم مصلحة المستهلكين على المدى القريب،
ويؤكد هذا الواقع الجديد أهمية الغاز الطبيعي المسال كعنصر استراتيجي في مزيج الطاقة العالمي،
ويتحتم على الدول والشركات التكيف مع ديناميكيات السوق المتغيرة والاستفادة من الفرص البيئية والاقتصادية التي يوفرها هذا الوقود لضمان مستقبل طاقي مستقر ومستدام.























